الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

236

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وصف المشعر بوصف ( الحرام ) لأنه من أرض الحرم بخلاف عرفات . والمشعر الحرام هو ( المزدلفة ) ، سميت مزدلفة لأنها ازدلفت من منى أي اقتربت ؛ لأنهم يبيتون بها قاصدين التصبيح في منى . ويقال للمزدلفة أيضا ( جمع ) لأن جميع الحجيج يجتمعون في الوقوف بها ، الحمس وغيرهم من عهد الجاهلية ، قال أبو ذؤيب : فبات بجمع ثم راح إلى منّى * فأصبح رادا يبتغي المزج بالسّحل « 1 » فمن قال : إن تسميتها جمعا لأنها يجمع فيها بين المغرب والعشاء فقد غفل عن كونه اسما من عهد ما قبل الإسلام . وتسمى المزدلفة أيضا ( قزح ) - بقاف مضمومة وزاي مفتوحة ممنوعا من الصرف - ، باسم قرن جبل بين جبال من طرف مزدلفة ويقال له : الميقدة لأن العرب في الجاهلية كانوا يوقدون عليه النيران ، وهو موقف قريش في الجاهلية ، وموقف الإمام في المزدلفة على قزح . روى أبو داود والترمذي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما أصبح بجمع أتى قزح فوقف عليه وقال : هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف . ومذهب مالك أن المبيت سنة وأما النزول حصة فواجب . وذهب علقمة وجماعة من التابعين والأوزاعي إلى أن الوقوف بمزدلفة ركن من الحج فمن فاته بطل حجه تمسكا بظاهر الأمر في قوله : فَاذْكُرُوا اللَّهَ . وقد كانت العرب في الجاهلية لا يفيضون من عرفة إلى المزدلفة حتى يجيزهم أحد ( بني صوفة ) وهم بنو الغوث بن مر بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر وكانت أمه جرهمية ، لقب الغوث بصوفة ؛ لأن أمه كانت لا تلد فنذرت إن هي ولدت ذكرا أن تجعله لخدمة الكعبة فولدت الغوث وكانوا يجعلون صوفة يربطون بها شعر رأس الصبي الذي ينذرونه لخدمة الكعبة وتسمى الرّبيط ، فكان الغوث يلي أمر الكعبة مع أخواله من جرهم فلما غلب قصي بن كلاب على الكعبة جعل الإجازة للغوث ثم بقيت في بنيه حتى انقرضوا ، وقيل إن الذي جعل أبناء الغوث لإجازة الحاجّ هم ملوك كندة ، فكان الذي يجيز بهم من عرفة يقول :

--> ( 1 ) من أبيات يصف فيها رجلا في الحج طلب أن يشتري عسلا من منى والراد الطالب ، والمزج من أسماء العسل ، والسحل النقد وأطلقه في البيت على الدراهم المنقودة من الوصف بالمصدر .